يثير إعلان رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة بعد انتهاء ولايته عام 2030 تساؤلات بشأن مستقبل السلطة السياسية في مصر، وما إذا كان هذا التحول سيمهد الطريق أمام انفتاح ديمقراطي أم سيؤدي إلى ترسيخ هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة ومؤسساتها.
ويرى ماجد مندور، المحلل السياسي ومؤلف كتاب «مصر تحت حكم السيسي: أمة على حافة الهاوية»، أن ترتيبات اختيار الرئيس المقبل تعكس مسعى المؤسسة العسكرية إلى إحكام قبضتها على السلطة، وتقليص استقلال مؤسسة الرئاسة، بما يضمن استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي، رغم أن التغييرات المحتملة قد تفتح، بصورة غير مقصودة، نافذة محدودة أمام المعارضة السياسية.
وفي مقال نشرته منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» (داون)، يحلل مندور تداعيات إعلان السيسي عدم الترشح مجددًا، وآلية إعداد المرشحين المحتملين لخلافته، ودور القوات المسلحة في رسم مستقبل النظام السياسي، مستعرضًا فرص حدوث تحول ديمقراطي والتحديات التي قد تحول دون تحققه.
خلافة السيسي.. آلية اختيار الرئيس المقبل وتعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية
في 17 أكتوبر، أعلن رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، خلال خطاب ألقاه، أنه لن يترشح للرئاسة بعد انتهاء ولايته عام 2030. وينهي هذا الإعلان سنوات من التكهنات بشأن اتجاه النظام إلى تعديل الدستور بما يسمح للرئيس، البالغ من العمر 71 عامًا، بالترشح لولاية جديدة مدتها ست سنوات في 2030، بعدما سبق أن عدّل الدستور عام 2019 لتمديد فترة حكمه.
ورغم أن قطاعات واسعة من المصريين قد ترحب بانتهاء حقبة السيسي بعد سنوات من الحكم القمعي، فإن الآلية المقترحة لاختيار المرشحين للرئاسة تعكس، بحسب الكاتب، مساعي القوات المسلحة المصرية إلى إحكام قبضتها على الدولة.
ووصل السيسي إلى السلطة عام 2014، بعدما قاد انقلابًا عسكريًا عام 2013، أعقبه قمع واسع للمجتمع المدني والأحزاب السياسية ومختلف أشكال المشاركة العامة. ومنذ ذلك الحين، فرض قبضته الصارمة على البلاد، وقاد نظامًا وصفه الكاتب بأنه الأكثر قسوة في تاريخ مصر الحديث.
وشهدت هذه المرحلة اعتقالات تعسفية وتعذيبًا وإخفاءً قسريًا وإدانات غير عادلة بحق أشخاص شاركوا في أي شكل من أشكال المعارضة السياسية. ورغم ذلك، حظي النظام بدعم واسع من المجتمع الدولي، شمل دولًا ديمقراطية وأخرى سلطوية، بدلًا من مواجهة إدانة دولية تتناسب مع الانتهاكات الحقوقية التي شهدتها البلاد.
وخلال خطابه الذي أعلن فيه قراره، طرح السيسي آلية مقترحة لاختيار المرشحين المحتملين للرئاسة، تقوم على استقطاب الحاصلين على درجة الدكتوراه من الجامعات المصرية والأجنبية، ممن تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، وإخضاعهم لبرنامج تدريبي مدته 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية.
وبعد اجتياز البرنامج، تتولى لجنة مراجعة ملفات المرشحين وتقييم أهليتهم، على أن ينتقل المقبولون إلى مرحلة الانتخابات الرئاسية.
ويرى مندور أن هذه الآلية تمثل تحولًا جوهريًا، من شأنه، إذا دخل حيز التنفيذ، ترسيخ المؤسسة العسكرية باعتبارها القوة المهيمنة بلا منازع على السياسة المصرية، بما يمنح النظام قدرة أكبر على الصمود السلطوي لا يمتلكها بصورته الحالية.
فالتخلي عن نموذج السلطة الشخصية والكاريزما السياسية الذي ارتبط بالسيسي وغيره من الحكام الأقوياء في تاريخ مصر سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى إضعاف موقع مؤسسة الرئاسة مقارنة بالمؤسسة العسكرية. ويرجح الكاتب أن يكون هذا تحديدًا أحد الأهداف الرئيسية من وضع آلية اختيار المرشحين الجديدة.
وتستند صلاحيات المؤسسة العسكرية في هذا السياق إلى المادة 200 من الدستور المصري، التي أُدرجت بصيغتها المعدلة ضمن تعديلات 2019، ومنحت القوات المسلحة دورًا يتمثل في حماية الدولة المدنية ودستورها ومبادئ الديمقراطية والحقوق المدنية.
كما تمنح المادة المؤسسة العسكرية صلاحيات قانونية واسعة، كثيرًا ما استُخدمت لتبرير تدخلاتها في السياسة المصرية، بما في ذلك الانقلابات العسكرية.
ويلفت الكاتب إلى غياب أي شروط قانونية محددة تضبط هذا التدخل، فضلًا عن عدم إسناد مسؤولية الموافقة عليه إلى أي جهة أخرى، مثل رئيس الجمهورية أو البرلمان؛ إذ تتدخل القوات المسلحة ببساطة عندما ترى ذلك مناسبًا.
وتنعكس هذه الفلسفة في الدور المحوري الذي ستؤديه المؤسسة العسكرية في فحص المرشحين واختيارهم؛ فهي لن تقتصر على أداء دور حارس البوابة أمام الراغبين في الترشح، بل ستخضعهم أيضًا لبرنامج تأهيلي يمتد 30 شهرًا قبل الموافقة على خوضهم الانتخابات.
وبحسب مندور، لا تترك هذه العملية مجالًا كبيرًا للشك في أن المرشح الذي سيحظى بالاختيار لن يشكل تحديًا مباشرًا للهيمنة السياسية للمؤسسة العسكرية، ولن يهدد نموذج رأسمالية الدولة العسكرية المدعومة بالديون، الذي أسهم في إثراء النخب المرتبطة بها.
تراجع الرئاسة أمام الجيش.. كيف يضمن النظام استمرار الهيمنة العسكرية؟
بعد سنوات من القمع، تراجعت المعارضة السياسية للسيسي بصورة كبيرة، ولم يعد هناك حزب حاكم يمتلك دعمًا شعبيًا واسعًا في الشارع ويمارس دورًا فاعلًا في صنع السياسات.
ويستدعي هذا الخلل في النظام السياسي المصري الانتباه إلى طبيعة المرشحين المحتملين للبرنامج الجديد؛ إذ يرجح الكاتب أن يكونوا من التكنوقراط الذين لا يمتلكون تنظيمات سياسية تدعم ترشحهم.
وبمعنى آخر، قد يفتقر الرئيس المقبل إلى حركة سياسية منظمة، سواء كانت ديمقراطية أو غير ذلك، تستطيع حشد الدعم الشعبي ومواجهة الهيمنة المباشرة للمؤسسة العسكرية.
ومن ثم، قد تسعى القوات المسلحة إلى إضعاف مؤسسة الرئاسة، للحد من احتمالات ظهور رئيس جديد يستطيع تحدي موقعها المهيمن علنًا، فضلًا عن تنفيذ إصلاحات قد تؤثر في قدرتها على الاستحواذ على الأموال العامة والتصرف فيها دون قيود.
وفي هذا السياق، ستعمل الأوليغارشية التي تقودها المؤسسة العسكرية على حماية مصالحها بأي ثمن.
ويرجح مندور أن يؤدي التغلغل العسكري العميق في أجهزة الدولة والاقتصاد خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز هذا التوجه وتفاقمه، بما يجعل الرئيس المقبل مجرد واجهة شكلية للسلطة.
فمع تزايد هيمنة القوات المسلحة، تتوافر أمامها وسائل متعددة لتقويض أي رئاسة مستقبلية إذا اتخذت سياسات تمس نفوذها أو مصالحها.
كما أن الدور الذي لعبه السيسي باعتباره، وفق الخطاب الرسمي، «منقذًا» للبلاد من سيطرة الإسلاميين، وما حظي به من شعبية أولية عند وصوله إلى الحكم، قد لا يتكرر مع الرؤساء المقبلين.
ويؤكد الكاتب أن التخلي عن السلطة الشخصية والكاريزما التي ميزت السيسي وغيره من الحكام الأقوياء في التاريخ السياسي المصري سيؤدي إلى إضعاف موقع الرئاسة أمام المؤسسة العسكرية، وهو ما يرجح أن يمثل أحد الأهداف الأساسية لآلية اختيار الرئيس الجديد.
وبناءً على ذلك، يعكس إعلان السيسي وخطط خلافته مسارًا لترسيخ السلطوية وتعميق عسكرة الدولة، وهي عملية مستمرة منذ تعديلات الدستور عام 2019.
ومن أبرز مظاهر هذا المسار اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يضم كبار قادة الجيش ويُعد أعلى سلطة عسكرية في البلاد، قبل تعيين وزير الدفاع.
ويشير الكاتب إلى أن منصب وزير الدفاع ظل تاريخيًا أحد أبرز مراكز القوة في السياسة المصرية، بما يمنح رأس المؤسسة العسكرية حماية سياسية ومؤسسية واسعة.
وفي هذا الإطار، أصبحت معادلة الحكم العسكري طويل الأمد أكثر رسوخًا على المستوى المؤسسي، مع تعزيز الصلاحيات القانونية والدستورية للقوات المسلحة.
ويرى مندور أن المفارقة في هذا المسار لا تخفى على أولئك الذين يأملون عودة الديمقراطية إلى مصر؛ فبينما قد يوحي انتهاء حقبة السيسي بفرصة للتغيير، تتجه الترتيبات الجديدة إلى تكريس نفوذ المؤسسة العسكرية بصورة أكثر استدامة.
رحيل السيسي والانفتاح الديمقراطي.. هل تجد المعارضة فرصة لمواجهة الجيش؟
مع ذلك، لا تستبعد هذه التحولات بالضرورة إمكانية حدوث انفتاح ديمقراطي، خاصة إذا أسفرت الإصلاحات عن نتائج غير مقصودة من جانب النظام.
وينقل الكاتب عن الصحفي المصري حسام الحملاوي أن أحد أبرز إنجازات السيسي تمثل في توحيد أهداف مختلف أجهزة المؤسسة الأمنية، وإنهاء صراعات النفوذ والتداخل المؤسسي فيما بينها.
وجاء هذا التطور نتيجة تغير تصورات الأجهزة الأمنية للتهديدات المحيطة بها، بعدما أسهم الربيع العربي عام 2011 في زيادة مخاوف المؤسسة العسكرية من اندلاع انتفاضة شعبية جديدة.
تقليديًا، أسهم التنافس بين مراكز القوى داخل النظام في تشكيل تصورات التهديدات الأمنية، وفقًا لما يوضحه عالم الاجتماع حازم قنديل، الذي أشار إلى تعدد محاولات الانقلاب في مراحل مختلفة من التاريخ المصري الحديث، لا سيما منذ انقلاب 1952.
وكان السيسي، في هذا السياق، أحدث تجسيد لهذا النمط الممتد من الصراع على السلطة داخل مؤسسات الدولة.
ويرى مندور أن السؤال المطروح الآن يتمثل في مدى قدرة رحيل السيسي على تفكيك حالة الوحدة داخل المؤسسة الأمنية، وإعادة إشعال المنافسة بين النخب العسكرية.
فإذا حدث ذلك، فقد تظهر فرصة للانفتاح السياسي، تستطيع قوى المعارضة استغلالها، بل ينبغي لها العمل على الاستفادة منها.
وعلى الرغم من الإصلاحات المعلنة والتراجع النسبي في نفوذ مؤسسة الرئاسة أمام المؤسسة العسكرية، فإن الرئاسة قد تحتفظ بسلطات دستورية واسعة؛ إذ لا تزال الصلاحيات القانونية الكبيرة متركزة في منصب رئيس الجمهورية.
لكن الاستفادة من هذه الصلاحيات تتطلب وجود حركة سياسية منظمة أو حلفاء داخل أجهزة الدولة يدعمون الرئيس الجديد.
ومن ثم، قد يشكل توظيف الشرعية السياسية لإحداث إصلاحات أحد السيناريوهات الممكنة، إذا توافر الدعم الشعبي، ورأت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية أن تكلفة القمع ستكون مرتفعة للغاية.
غير أن تحقق هذا السيناريو يتوقف على قدرة أي قوى معارضة محتملة على بناء حركة سياسية منظمة، تمتلك برنامجًا شعبيًا قادرًا على تحدي الهيمنة العسكرية والضغط على مؤسسة الرئاسة، أو على الأقل الحصول على دعمها.
ويقر الكاتب بأن تحقيق هذا الهدف ليس أمرًا سهلًا، لكنه لا يعد مستحيلًا.
وفي الوقت الراهن، تبرز حقيقة مهمة، وهي أن المسافة بين الرئيس والمؤسسة العسكرية قد تتسع للمرة الأولى منذ عام 2013، بما يخلق فرصة تستطيع المعارضة استغلالها.
وبعبارة أخرى، قد يظهر شكل من أشكال التحول الديمقراطي غير المقصود، ربما نتيجة اضطرار حاكم متقدم في العمر إلى اختيار خليفة له.
لكن هذا التصور، وفقًا لمندور، ينطوي على قدر كبير من التفاؤل، إذ يتطلب جهودًا هائلة لخلق أي فرصة سياسية قادرة على إصلاح الأضرار الجسيمة التي ألحقها حكم السيسي بالاقتصاد المصري والدولة والمجتمع والنظام السياسي.
وفي المقابل، يظل السيناريو الأكثر ترجيحًا، من وجهة نظر الكاتب، هو تعميق عسكرة الدولة وترسيخ الحكم السلطوي، بما يعزز قدرة النظام على الصمود ويطيل عمره السياسي المحتمل.
ويخلص مندور إلى أن إعلان السيسي عدم الترشح مجددًا لا يعني بالضرورة اقتراب تحول ديمقراطي في مصر؛ فبينما قد تتيح مرحلة الخلافة فرصة نادرة لإعادة تشكيل التوازنات داخل النظام، تشير آليات إعداد الرئيس المقبل وتعاظم الدور المؤسسي للقوات المسلحة إلى اتجاه أكثر وضوحًا نحو تكريس الهيمنة العسكرية. وتبقى قدرة المعارضة على التنظيم وبناء قاعدة شعبية مؤثرة أحد العوامل الأساسية التي قد تحدد ما إذا كانت هذه المرحلة ستفتح المجال أمام تغيير سياسي حقيقي أم ستؤدي إلى استمرار النظام بصيغة أكثر رسوخًا.
https://dawnmena.org/will-sisis-departure-represent-a-democratic-opening-or-military-consolidation-in-egypt/

